فصل: مدخل:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام



.كتاب الزكاة:

.مدخل:

1- عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «إنك ستأتي قوما أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب».
الزكاة في اللغة لمعنيين: أحدهما النماء والثاني: الطهارة فمن الأول قولهم زكاة الزرع ومن الثاني وقوله تعالى: {وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] وسمي هذا الحق زكاة بالاعتبارين أما بالاعتبار الأول فمعنى أن يكون سببا للنماء في المال كما صح: «ما نقص مال من صدقة» ووجه الدليل منه أن النقصان محسوس بإخراج القدر الواجب فلا يكون غير ناقص إلا بزيادة تبلغه إلى ما كان عليه على المعنيين جميعا أعني المعنوي والحسي في الزيادة أو بمعنى أن متعلقها الأموال ذات النماء وسميت بالنماء لتعلقها به أو بمعنى تضعيف أجورها كما جاء «إن الله يربي الصدقة حتى تكون كالجبل».
وأما بالمعنى الثاني فلأنها طهرة للنفس من رذيلة البخل أو لأنها تطهر من الذنوب.
وهذا الحق أثبته الشارع لمصلحة الدافع والآخذ معا أما في حق الدافع فتطهيره وتضعيف أجوره وأما في حق الأخذ فلسد خلته.
وحديث معاذ يدل على فريضة الزكاة وهو أمر مقطوع به نم الشريعة ومن جحده كفر.
وقوله عليه السلام: «إنك ستأتي قوما أهل كتاب» لعله للتوطئة والتمهيد للوصية باستجماع همته في الدعاء لهم فإن أهل الكتاب أهل علم ومخاطبتهم لا تكون كمخاطبة جهال المشركين وعبدة الأوثان في العناية بها والبداءة في المطالبة في الشهادتين لأن ذلك أصل الدين الذي لا يصح شيء من فروعه إلا به فمن كان منهم غير موحد على التحقيق كالنصارى فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين عينا ومن كان موحدا كاليهود فالمطالبة له بالجمع بين ما أقر به من التوحيد وبين الإقرار بالرسالة وإن كان هؤلاء اليهود الذين كانوا باليمن عندهم ما يقتضي الإشراك ولو باللزوم يكون مطالبتهم بالتوحيد لنفي ما يلزم من عقائدهم وقد ذكر الفقهاء أن من كان كافرا بشيء مؤمنا بغيره لم يدخل في الإسلام إلا بالإيمان بما كفر به.
وقد يتعلق بالحديث في أن الكفار غير مخاطبين بالفروع من حيث أنه إنما أمر أولا بالدعاء إلى الإيمان فقط وجعل الدعاء إلى الفروع بعد إجاباتهم الإيمان وليس بالقوي من حيث أن الترتيب في الدعاء لا يلزم منه الترتيب في الوجوب ألا ترى أن الصلاة والزكاة لا ترتيب بينهما في الوجوب؟ وقد قدمت في المطالبة على الزكاة وآخر الأخبار لوجوب الزكاة عن الطاعة بالصلاة مع أنهما متساويتان في خطاب الوجوب.
وقوله عليه السلام: «فإن هم أطاعوا لك بذلك» طاعتهم في الإيمان بالتلفظ بالشهادتين وأما طاعتهم في الصلاة فيحتمل وجهين أحدهما: أن يكون المراد إقرارهم بوجوبها وفريضتها عليهم والتزامهم لها والثاني: أتن يكون المراد الطاعة بالفعل وأداء الصلاة وقد رجح الأول بأن المذكور في لفظ الحديث هو الإخبار بالفريضة فتعود الإشارة بذلك إليها ويترجح الثاني بأنهم لو أخبروا بالوجوب فبادروا بالامتثال بالفعل لكفى ولم يشترط تلفظهم بالإقرار بالوجوب وكذلك نقول في الزكاة لو امتثلوا بأدائها من غير تلفظ بالإقرار لكفى فالشرط عدم الإنكار والإذعان للوجوب لا التلفظ بالإقرار.
وقد استدل بقوله عليه السلام: «أعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» على عدم جواز نقل الزكاة عن بلد المال وفيه عندي ضعيف لأن الأقرب أن المراد يؤخذ من أغنيائهم من حيث إنهم مسلمون لا من حيث إنهم من أهل اليمن وكذلك الرد على فقرائهم وإن لم يكن هذا هو الأظهر فهو محتمل احتمالا قويا ويقويه أن أعيان الأشخاص المخاطبين في قواعد الشرع الكلية لا تعتبر ولولا وجود مناسبة في باب الزكاة لقطع بأن ذلك غير معتبر وقد وردت صيغة الأمر بخطابهم في الصلاة ولا يختص بهم قطعا أعني الحكم وإن اختص بهم خطاب المواجهة.
وقد استدل بالحديث أيضا أن من ملك النصاب لا يعطى من الزكاة وهو مذهب أبي حنيفة وبعض أصحاب مالك من حيث إنه جعل أن المأخوذ منه غنيا وقابله بالفقير ومن ملك النصاب فالزكاة منه فهو غني والغني لا يعطى من الزكاة إلا في المواضع المستثناة في الحديث وليس بالشديد القوة وقد يستدل به من يرى إخراج الزكاة إلى صنف واحد لأنه لم يذكر في الحديث إلا الفقراء وفيه بحث.
وقد يستدل به على وجوب إعطاء الزكاة للإمام لأنه وصف الزكاة بكونها: (مأخوذة عن الأغنياء) فكل ما اقتضى خلاف هذه الصفة فالحديث ينفيه.
ويدل الحديث أيضا على كرائم الأموال لا تؤخذ من الصدقة كالأكولة والربى وهي التي تربي ولدها والماخض وهي الحامل وفحل الغنم وحزرات المال وهي التي تحرز بالعين وترمق لشرفها عند أهلها.
والحكمة فيه أن الزكاة وجبت مواساة للفقراء من مال الأغنياء ولا يناسب ذلك الإجحاف بأرباب الأموال فسامح الشرع أرباب الأموال بما يضنون به ونهى المصدقين عن أخذه وفي الحديث دليل على تعظيم أمر الظلم واستجابة دعوة المظلوم وذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عقيب النهي عن أخذ كرائم الأموال لأن أخذها ظلم وفيه تنبيه على جميع أنواع الظلم.
2- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة ولا فيما دون ذود صدقة ولا فيما دون خمسة أوسق صدقة».
يقال أواقي بالتشديد والتخفيف وتحذف الياء ويقال: أوقية بضم الهمزة وتشديد الياء ووقية وأنكرها بعضهم والأوقية أربعون درهما فالنصاب مائتا درهم والدرهم ينطلق على الخالص حقيقة فإن كان مغشوشا لتجب الزكاة حتى يبلغ من الخالص مائتي درهم والذود قيل: إنه ينطلق على الواحد وقيل إنه كالقوم والرهط.
والحديث دليل على الزكاة فيما دون هذه المقادير من هذه الأعيان وأبو حنيفة يخالف في زكاة الحرث ويعلق الزكاة بكل قليل وكثير منه ويستدل له بقوله عليه السلام: «فيما سقت السماء العشر وفيما سقي بنضح أو دالية ففيه نصف العشر» وهذا عام في القليل والكثير.
وأجيب عن هذا بأن المقصود من الحديث بيان قدر المخرج لا بيان المخرج منه وهذا فيه قاعدة أصولية وهو أن الألفاظ العامة بوضع اللغة على ثلاث مراتب أحدها: ما ظهر فيه عدم قصد التعميم ومثل بهذا الحديث والثانية: ما ظهر فيه قصد التعميم بأن أورد مبتدأ لا على سبب لقصد تأسيس القواعد والثالثة: ما لم يظهر فيه قرينة تدل على التعميم ولا قرينة تدل على عدم التعميم.
وقد وقع تنازع من بعض المتأخرين في القسم الأول في كون المقصود منه عدم التعميم فطالب بعضهم بالدليل على ذلك وهذا الطريق ليس بجيد لأن هذا أمر يعرف من سياق الكلام ودلالة السياق لا يقام عليها دليل وكذلك لو فهم المقصود من الكلام وطولب بالدليل عليه لعسر فالناظر يرجع إلى ذوقه والمناظر يرجع إلى دينه وإنصافه.
واستدل بالحديث من يرى أن النقصان اليسير في الوزن يمنع وجوب الزكاة وهو ظاهر الحديث ومالك يسامح بالنقص اليسير جدا الذي تروج معه الدراهم والدنانير رواج الكامل.
وأما الأوسق فاختلف أصحاب الشافعي في أن المقدار فيها تقريب أو تحديد ومن قال: إنه تقريب يسامح باليسير وظاهر الحديث: يقتضي أن النقصان لا يؤثر والأظهر: أن النقصان اليسير جدا لا يمنع إطلاق الاسم في العرف ولا يعبأ به أهل العرف: أنه يغتفر.
3- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة».
وفي لفظ: «إلا زكاة الفطر في الرقيق».
الجمهور على عدم وجوب الزكاة في عين الخيل واحترزنا بقولنا في عين الخيل عن وجوبها في قيمتها إذا كانت للتجارة وأوجب أبو حنيفة في الخيل الزكاة وحاصل مذهبه: أنه إذا اجتمع الذكور والإناث وجبت الزكاة عنده قولا واحدا وإن انفردت الذكور والإناث وإذا وجبت الزكاة فهو مخير بين أن يخرج عن كل فرس دينارا أو يقوم ويخرج عن كل مائتي درهم خمسة دراهم وقد استدل عليه بهذا الحديث فإنه يقتضي عدم وجوب الزكاة في فرس المسلم مطلقا.
والحديث يدل أيضا على عدم وجوب الزكاة في عين العبيد.
وقد استدل بهذا الحديث الظاهرية على عدم وجوب زكاة التجارة وقيل: إنه قول قديم للشافعي من حيث إن الحديث يقتضي عدم وجوب الزكاة في الخيل والعبيد مطلقا ويجيب الجمهور عن استدلالهم بوجهين.
أحدهما: القول بالموجب فإن زكاة التجارة متعلقها القيمة لا العين فالحديث يدل على عدم التعلق بالعين فإنه لو تعلقت الزكاة بالعين من العبيد والخيل: لثبتت ما بقيت العين وليس كذلك فإنه لو نوي القنية لسقطت الزكاة والعين باقية وإنما الزكاة متعلقة بالقيمة بشرط نية التجارة وغير ذلك من الشروط.
والثاني: أن الحديث عام في العبيد والخيل فإذا أقاموا الدليل على وجوب زكاة التجارة كان هذا الدليل أخص من ذلك العام من كل وجه فيقدم عليه إن لم يكن فيه عموم من وجه فإن كان خرج على قاعدة العامين من وجه دون وجه إن كان ذلك الدليل من النصوص نعم يحتاج إلى تحقيق إقامة الدليل على وجوب زكاة التجارة وإنما المقصود ههنا: بيان كيفية النظر بالنسبة إلى هذا الحديث.
والحديث يدل على وجوب زكاة الفطر عن العبيد ولا يعرف فيه خلاف إلا أن يكونوا للتجارة وقد اختلف فيه.
وهذه الزيادة- أعني قوله: «إلا صدقة الفطر في الرقيق» - ليس متفقا عليها وإنما هي عند مسلم فيما أعلم.
4- عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «العجماء جبار والبئر جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس».
الجبار الهدر وما لا يضمن والعجماء الحيوان البهيم وورد في بعض الروايات: (جرح العجماء جبار) والحديث يقتضي: أن جرح العجماء جبار بنصه فيحتمل أن يراد بذلك: جناياتها على الأبدان والأموال ويحتمل أن يراد: الجناية على الأبدان فقط وهو أقرب إلى حقيقة الجرح وعلى كل تقدير فلم يقولوا بهذا العموم أما جناياتها على الأموال: فقد فصل في المزارع بين الليل والنهار وأوجب على المالك ضمان ما أتلفته بالليل دون النهار وفيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يقتضي ذلك.